المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2026

"رحلة أدبية"

رحلة الحلم المؤجل.. وولادة ديواني الأول" أخوضُ اليومَ تجربةً جديدةً، وإن كان قد سبق لي الخوض في تجربةٍ مماثلةٍ منذُ أكثر من ثلاثين عاماً ولم يُكتب لها النجاحُ لظروفٍ خارجةٍ عن إرادتي.. اليومَ لديَّ شغفٌ كبيرٌ أن أخوضَ التجربةَ إلى نهايتها؛ وهي باختصار: سفري إلى القاهرة للتعاقد على طبع ونشر ديواني الشعري الأول. حيث تواصلتُ مع إحدى دور النشر هناك، وهي "دار أوراق للنشر والتوزيع"، وبصحبتي ما يقرب من ثلاثين قصيدةً، بعد أن اتفقتُ معهم على كلِّ شيءٍ. واللهَ أسألُ أن يوفقني في هذه الخطوة، لتكون ذِكرى طيّبةً لأبنائي وأحفادي. بعد ثوانٍ سوف يتحركُ القطارُ متجهاً صوبَ القاهرة.. وصلتُ إلى القاهرة حوالي الواحدة إلا الربع ظهراً، وعلى الفور توجهتُ إلى دورات المياه حيث أصلحتُ من شأني، وتوضأتُ وصليتُ الظهر والعصر جمعاً وقصراً؛ اتباعاً لهدي نبينا محمد ﷺ. ثم توجهتُ بعد ذلك إلى المترو، وكان المكان المتفق عليه يبعد محطتين فقط، وبسهولةٍ وصلتُ إلى المقصد. اتصلتُ بمدير الدار فأخبرني أن الموعد في الثالثة، واعتذر لي بشدةٍ عن عدم تمكنه من المجيء إلى المكتب قبل ذلك، فلم أجد بداً من الجلوس في مقهىً أ...

"فرخ اليمام"

نسمات الصباح وفرخ اليمام" منذُ فترةٍ ليست بالقصيرة، اعتدتُ أنا وزوجتي أن نسير مع نسمات الصباح الأولى لمدة نصف ساعةٍ عملاً بنصيحة الطبيب. ومنذُ خمسة أيامٍ، وأثناء سيرنا، وجدنا فرخَ يمامٍ صغيرٍ يلوذ بالحائط خوفاً من قطٍّ يحوم حوله؛ فأدركتنا الشفقة به وحملناه معنا إلى المنزل. وحين عدنا أدراجنا، جهّزنا له صندوقاً صغيراً للإقامة به، كما راحت زوجتي تطعمه بيدها وتسقيه، وحسبنا أنه مع الوقت سيألفنا. ولكن بعد يومين، حاولتُ أن أداعبه فحرّك أحد جناحيه لأعلى مدافعاً عن نفسه، فأدركتُ على الفور أنه يتعامل بفطرته؛ إذ إنه لا يأمن للإنسان عكس كثيرٍ من الحيوانات، فتعاملنا معه بناءً على هذه الفطرة. مضت خمسة أيامٍ وبدأ عوده يشتدُّ بعض الشيء، وراحت زوجتي تقذفه لأعلى كي تدربه على الطيران، وهو يستجيب لها فيطير مسافةً قصيرةً ثم يحطُّ مسرعاً. وحينئذٍ، وجدتني أتناقش مع زوجتي بأن ما تفعله ليس صائباً، وكان تفسيري لها: "إن الفرخ ما زال لا يستطيع التقاط الحبِّ بمنقاره، فدعيه حتى يشتد عوده ويستطيع الطيران دون مساعدة؛ فحين يستطيع الطيران سيهرب إلى أقصى ارتفاعٍ في الشقة ولن نستطيع الإمساك به، وفي الوقت ذاته ل...

"همسات عاطفية"

همسات عاطفية" إنَّ نفساً لم يشرق الحبُّ فيها، هي نفسٌ لم تدرِ ما معناها؛ فإننا بالحبِّ نحيا ونجاهد، ونصمد ونساند. هكذا تمضي القلوبُ إذا ما برئت من الآلام، وتلاشت عنها سحائبُ الأوهام، فتضحي ذخراً ونوراً. لستُ أدري بأي قلبٍ أخطو على درب الحياة! غير أنّي أشعرُ أنّ تلك العاطفة الجيّاشة المتلألئة فوق تاج الفؤاد لجديرةٌ بأن تُدين لها كلُّ القلوبِ بلا حدود. ليت شِعري ما سرُّ هذا الشعور الّذي يأسُرني؟ يسرقُني من نفسي، من همسي، ومن أفكاري؛ فيحتوينا معاً طيفاً يحلِّق في فضاءٍ بلا معالم أو حدود، فنسبحُ في ذلك الفيض النّوراني أنقى لحظات حبِّنا. ألقاكِ يا عمراً لفهُ ثوبُ الحنان، فأرى الحياة في عينيكِ عروساً هيفاء تتهادى في خفّةِ الطائر؛ وأذوبُ في سحرِ عينيكِ كما يذوبُ الليلُ في ثغرِ النّهار. كم تهفو نفسي أن تغرس في روضة قلبك براعمَ حبّي، وأطفق أرويها من خفقان قلبي، ورعشات أنفاسي، ورحيق إحساسي ما بقيت لي أنفاسٌ في الحياة؛ حتّى إذا ما دارت بنا الأيّامُ، فجئتُكِ شاحبَ اللون، مُتراخي الأطرافِ، مُتداعي الأنفاسِ.. توسَّدتُ صدركِ وتلحَّفتُ بأهدابكِ، وراحت أزهارُ عمري تذبل شيئاً فشيئاً في راحتيكِ.. كا...

"الصف الأخير"

[٢٩/‏٧ ٤:٣٩ م] أحمد سعيد: الصّف الأخير" اجتمع ثلاثة من الأصدقاء؛ سعيد، وحُسين، ومُحمَّد، في منزل الأخير يستذكرون معاً مادة "المساحة"، وذلك بعد أن أخبرهم أستاذ المادة أن اختبار نصف العام سيكون بعد أسبوع واحد فقط؛ لذا أعطوا المادة جلَّ وقتِهم. وقد تميّز سعيد ومُحمَّد بمهارتهما العالية في تلك المادة بسبب تفوقهما السابق في الرياضيات، على عكس حُسين الذي كان مستواه دون المتوسط. وبذل الصديقان مجهوداً مضاعفاً مع صديقهما حُسين لتحسين تحصيله دون جدوى. وحيث لم يكن ثمة وقت كافٍ للاستعداد، تفتّق ذهنُ حُسين عن فكرة شيطانية عرضها على الصديقين فوافقا عليها على مضض؛ وتلخصّت الفكرة في أن يجلس حّسين في قاعة الامتحان بحيث يكون مُحمَّد عن يمينه وسعيد أمامه، وذلك لسهولة نقل إجابة أحدهما إذا ما احتاج إلى ذلك. جاء يوم الاختبار وجلس الثلاثة حسبما اتفقوا. وكان ضمن الأسئلة سؤالٌ عن المنحنيات؛ ففهم سعيد السؤال على أنّه يتعلّق بالمنحنيات الأفقية (المتعلِّقة بتحديد دوران الشوارع)، بينما فهمه مُحمَّد على أنَّـه يتعلّق بالمنحنيات الرأسية (المتعلِّقة بتحديد ميول الكباري). ونظراً للمأزق، نقل حُسين إجابة ...

"أنف الزوجة"

: 👃 أنف الزوجة بقلم: أحمد سعيد (9/5/2015) قصةٌ بدأها الكاتب [عبد الوهاب مطاوع] بمشكلةٍ تؤرّق معظم الناس، وهي مشكلة "الوهم". وقد تمثّل هذا الوهم عند كثيرٍ من الزوجات في ظنهنّ أن أنوفهنّ لا يتناسب حجمها مع الوجه، ثم اكتشف الكاتب أن 99% من هذه الحالات طبيعية جداً ولا تحتاج إلى أي تجميل؛ إنه الوهم إذن.. ذلك القاتل البطيء للسعادة، والذي يحيل حياة الإنسان إلى عذابٍ وقلقٍ مستمر. لكن بطلة قصتنا -والتي أثّر موقفها في نفسي حتى دمعت عيناي- لم يكن الوهم هو الذي يؤرقها، بل مزاحُ زوجٍ ثقيلٍ لم يدرك بعد حجم الجرح والألم النفسي الذي يسبّبه لشريكة حياته، خاصة بعد أن طلبت منه أكثر من مرة ألا يناديها بهذا النداء البغيض: "أم منخار"! ولكنه مع الأسف أخبرها بكل وقاحة بأنه إنما يصف شيئاً موجوداً بالفعل فيها، وأنه يجد متعةً كبيرة في ندائها به، غير عابئٍ بأثر ذلك المدمر على نفسيتها، مما دفعها أن تراسل كاتبنا ترجوه أن يقدم نصيحةً لزوجها ليكفّ عن جرحها. وإنّي لأتعجب حقيقةً من تصرف هذا الزوج؛ والذي رزقه الله بنعمةٍ عظيمة تتمثل في زوجةٍ مهندسةٍ حنون، لم تدخر وسعاً في إسعاد زوجها وأطفالها؛ كيف ل...

"محمد والبطيخة"

🍉 محمد والبطيخة بقلم: أحمد سعيد لعل هذا العنوان قد أثار فضولك أيها القارئ الكريم، ولعلك كذلك تساءلت بينك وبين نفسك: ما العلاقة التي تربط محمداً بالبطيخة؟! تابع معي أحداث هذه القصة القصيرة لتزول دهشتك بإذن الله. كنتُ وزميلي محمد عبد العزيز ضمن فرقة السنة الثالثة بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية، قسم الجغرافيا، شعبة المساحة والخرائط. وكنا إذ ذاك ندرس مادة "الجيولوجيا" التي كان يقوم بشرحها لنا الدكتور أحمد مصطفى، وكان مشهوراً بين الطلبة بالحزم والشدة، فقليلاً ما كنت تراه مبتسماً؛ لذلك كان جميع الطلاب يجلسون في محاضرته وكأن على رؤوسهم الطير. كان الدكتور أحمد يشرح لنا "خطوط الكونتور" وكيفية تخيلها، فرسم على السبورة قطاعاً دائرياً وقسّمه إلى طبقات مختلفة، ثم خاطبنا قائلاً: "يمكننا أن نتخيل هذا القطاع الذي يمثل طبقات الأرض؛ فكل خط مكون من نقاط مناسيبها واحدة هو خط كونتور يفصل بين طبقة وأخرى، وبالطبع لن تجدوا الخطوط منبسطة بل ستجدونها متعرجة، وهي مجموعة نقاط يجمعها منسوب مشترك". وهكذا مضى الدكتور أحمد يحاول من خلال شرحه أن يوصل لنا المعلومة، والحقيقة أن المحاضرة ك...

"إحساس الشاعر"

رسالة إلى زوجتي (إحساس الشاعر) شوقي إلى حبيبتي لقد طالَ البَينُ بيننا حتى ضاقتِ الأقلامُ بما تصفُ من آهاتٍ وأحزان، وأضحتِ الأوراقُ تخشى أن تحرّقَها لوعةُ الفراق، وها نحن نمضي فوق أشواك النَّوى، يحملُ كلٌّ منّا ألماً دفيناً في صدره، وجرحاً غائراً في فؤاده. لستُ أدري بأي قلبٍ عشتُ تلك القرون الماضية؛ تلك التي مضت دون أن تحتوي فيها شفتاي شفتيكِ، وأنفاسي نهديكِ، تلك التي مضت دون أن تعبثَ فيها أناملي بخُصيلات شعركِ، وأنا أتطلعُ بلهفةِ العاشق إلى عينيكِ الرقيقتين، وأرى فيهما دعوةً لأن أذوبَ وأذوبَ حتى تذوبَ روحي في سُكناكِ. يا لهفَ قلبي.. بقلمي..احمد سعيد قنديل 

"فهم الدين "

 فهم الدين..  بين جحود القلوب وعصمة العلم النافع يقول ربنا في سورة الأنعام مبيناً موقف الكافر يوم القيامة: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} . ثم يفضح كذبهم: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} . وتأمل معي مدى جحود بشر سوّد الكفر قلوبهم! أما العصاة من المسلمين، فهم يقعون في المعاصي ولسان حالهم: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} . وعقيدتنا فيمن مات على كبيرة دون توبة أنه تحت المشيئة؛ إن شاء الله عفا عنه فضلاً، وإن شاء عذبه عدلاً، لكنه إذا لزم الاستغفار وأحدث بعد كل ذنب توبة؛ فسيكون وضعه أفضل بكثير. ما أعظم حديث المغفرة المكررة! يقول الله في الحديث القدسي عن عبده المستغفر: «علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به.. أشهدكم أني قد غفرت له ما دام يستغفرني». ياااا الله.. ما أعظمك وما أكرمك يا إله العالمين! لكن انتبه؛ هذا ليس باباً للركون، بل دافع للعمل والاجتهاد. إن حسن الظن بالله يسير قدماً بقدم مع حسن العمل، وبالعلم وحده تنجو بإذن الله. ولا يغرنّك لحية تزين بها وجهك أو قميص قصير تتخذه سنة؛ فربك يحاسبك على ما في صدرك ...

"الشغالة والبيه"

الشغالة والبيه" تتسم العلاقات الزوجية عادةً بـدفء العاطفة وحرارة البدايات، سواء قامت على الحب أو غيره. لكن، لا تمر سنوات قليلة حتى يتسلل الملل والرتابة إلى هذا الرابط المقدس، فتتحول العلاقة الملتهبة إلى روتين باهت. وفي كثير من الأحيان، يسعى الشيطان لإذكاء هذا الفتور، فتزهد الزوجة في زوجها وتعامله ببرود ملموس، مما يذهب بحرارة اللقاء أدراج الرياح. عندها، يبدأ الزوج في البحث عمن يشبع غريزته بعد أن عجزت شريكته عن تحقيق ذلك. وفي هذه الأجواء المشحونة، يلتفت الزوج تلقائياً نحو العاملة المنزلية (الشغالة) التي تتحرك أمامه بحرية في أرجاء البيت؛ فتستهويه الفكرة، وتدفعه نحوها شهوة مكبوتة تسبب فيها برود الزوجة من جهة، وسعي الشيطان الحثيث للتزهيد بين الطرفين من جهة أخرى. ومع الأسف، كثيراً ما تستجيب العاملة لمناوشات الزوج لدوافع متعددة، أبرزها الرغبة الانتقامية في كسر كبرياء سيدتها التي دأبت على إساءة معاملتها. ولذا، لا تجد حرجاً في مجاراة الزوج الثائر، بل تشرع في إبراز مفاتنها وحركاتها لتزيد من رغبته فيها، وشيئاً فشيئاً يقع المحظور. حينها، يشعر "البيه" بنشوة جارفة مع العاملة لم يتذوقه...

"رداء الحزن"

رداء الحزن منذ عهدٍ بعيد حدث هذا الموقف في حياة "أشرف"، والذي مازالت آثاره ترمي بظلالها في أغوار نفسه حتى الآن. كانت أمه قد عقدت عزمها على تزويج ابنتها الكبرى "ليلى" من أحد شباب العائلة ولم تكن الفتاة قد تخطت الإثنى عشر ربيعاً بعد؛ ورغم أنها كانت تتلقى تعليمها إلّا أن الأم رأت -ككثير من أقرانها في ذلك الوقت- أن زواج الفتاة خيرٌ لها من التعليم. كانت ليلى على حداثة سنّها على قدر من الجمال يغري الشباب للفوز بها، ورأت الأم في الشاب عصام -والذي تربطه بالعائلة صلة قرابة- أفضل من يحافظ عليها وينزلها قدرها، فراحت تحثه على التقدم لابنتها. ولم يكن هذا الزواج يروق لأسرة عم ليلى إذ أنها كانت تطمع هي الأخرى في تزويج ابنتهم لابن الخال "عصام"، وبسبب ذلك نشأ صراع بين الأسرتين للفوز بالشاب، وانحاز والد عصام لابنة شقيقته فعارض بشدة زواج نجله من ليلى، وقد استخدم للتعبير عن اعتراضه كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة لمنع هذا الزواج. وفي هذه الأجواء المشحونة بالصراعات الأسرية قررت أم أشرف السفر لمسقط رأسها حيث تقيم أسرتها، وذلك كي تستعين بكبار أفراد عائلتها لاجتياز تلك العقبة....

" الموعظة عند القبر"

[٢٩/‏٧ ١١:٠٣ ص] أحمد سعيد: الموعظة عند القبر دأب كثيرٌ من الدعاة وغيرهم على إلقاء موعظة عند القبر، وحين ننصحهم بأن ذلك مخالف لهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحتجون بحديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-. ولعل من المناسب هنا أن نذكر لكم طرفاً من هذا الحديث؛ أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أنه قال: "خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر -مرتين أو ثلاثاً- ثم قال: إن العبد إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكةٌ بيض الوجوه ......" إلى آخر الحديث الطويل الذي احتوى على موعظةٍ بليغة تبين حال المؤمن عند الموت ومستقره بعد ذلك، وحال الكافر أو الفاجر ومستقره بعد ذلك. وبعد الإنتهاء من الدفن يشرع للحاضرين الوقوف عند القبر والاستغفار للميت والدعاء له بالتثبيت، ويُقتصر في ذلك على المشروع والمأثور، لأن الدعاء عبادة وال...

"احذر خطوات الشيطان "

[٢٩/‏٧ ١٠:٥٣ ص] أحمد سعيد: توجيه تربوي حول خداع المنصات والزمالة) يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [النور: 21] في هذه الآية الكريمة يحذر ربنا -سبحانه وتعالى- عباده المؤمنين من إتباع خطوات الشيطان؛ وذلك لأنه عدوٌ واضح قد قطع العهد على نفسه لإغواء بني آدم بشتى السبل. وهو مع المؤمن خاصة يزين له المعصية، ويغريه خطوة تلو خطوة حتى يقع فيها؛ فهو لا يدعو المؤمن ولا المؤمنة إلى الوقوع في الخطأ مباشرة، بل يفتح له أبواباً من الطاعات والمبررات ليوقعه في المعصية، والأمثلة على ذلك في زماننا كثيرة: منها ما يحدث من إختلاط في الجامعة ونشأة ما يسمى بـ "الصداقة" بين الفتى والفتاة، وهذا بالطبع من حيل الشيطان وأولى خطواته؛ حيث تبدأ بتبادل المحاضرات، ثم الحديث الدائر حول المادة الدراسية، ولأن طبيعة كل منهما الفطرية مختلفة، فما يلبث أن يتحول هذا الحديث إلى كلمات معسولة، تلبيةً لنداء الفطرة؛ فالرجل يميل بفطرته للمرأة وهي كذلك تميل إليه. ثم ي...

"رسالة لإبنتي"

ابنتي الحبيبة، وقرة عيني.. عطّر الله أيامكِ بنفحات رضاه، ورزقكِ مواطن الخير، وسعادة الدارين. يا حبيبة قلبي، ربما صوّر لكِ الشيطان يوماً أنني أريد التخلص منكِ بزواجكِ من أي شخص، وهذا بالطبع غير صحيح بالمرة؛ فأنتِ حبيبتي التي تسكن في سويداء القلب، وصورتكِ دوماً بين الأهداب والعين. إنني يا قطعة من روحي لو كان الأمر بيدي، ولو كنتُ أضمن بقائي بجواركِ طوال العمر، لعزفتُ تماماً عن ارتباطكِ بأي شخص، ولرفضتُ كل من تقدم لكِ لتبقي إلى جواري حتى أنفاسي الأخيرة! ولكن هذه أنانية نفس، وهي بالطبع ضد نواميس الحياة وقوانينها؛ إذ أن النساء خلقن للرجال، ومن أجل ذلك شرع الله لنا الزواج لأنه من دواعي الفطرة وسنن الكون، وكما سبق وبينتُ لكِ.. إنها سنة الحياة. يا بنيتي، أنا رجل عركتُ الحياة بحلوها ومرها، واستفدتُ من تجربتي معها الكثير. ومما أدركته يقيناً أن السعادة التي يسعى إليها الساعون لا تكمن في المال أو الجاه أو المنصب؛ وكلها أمور مشروعة، لكنها ببساطة تسكن في الرضا بما قسمه الله، واستشعار ذلك بالقلب والنفس والروح. ولو شئتِ لسردتُ لكِ قصصاً لا حصر لها عن تجارب باءت بالفشل المرير، فقط بسبب النظر إلى منصب، أ...

"حرارة موقف"

حرارة موقف كثيراً ما يواجه الإنسان موقفاً يكون له تأثير خاص على مشاعره وتفكيره، فيقف أمامه متأملاً متحيراً: كيف يتعامل مع هذا الموقف؟!.. ولقد ساقتني الأقدار إلى موقف من هذا النوع؛ وكان ذلك عقب صلاة فجر أحد الأيام، حيث كان ولدي الأوسط يمضي معنا إجازة منحتها إياه وحدته العسكرية. حدث هذا الموقف قدراً ودون ترتيب لأحداثه؛ ففي هذا اليوم وعقب عودتي من المسجد، جلست في صالة المنزل ومن ثمَّ شرعت في ممارسة هوايتي المفضلة في القراءة ومطالعة الأحداث. وبعد فترة، تركتُ ما يشغلني وتوجهتُ صوب الشرفة تدفعني رغبة في استنشاق نسائم الصباح؛ وحين دنوت منها راعني المشهد! إذ وجدتُ ولدي يقف في الشرفة متطلعاً إلى السماء، وفي إحدى يديه لفافة تبغ ينفث منها دخاناً. راعني ما أرى، فوقفتُ مشدوهاً برهة لم يشعر خلالها ولدي بوجودي، ثم عدتُ أدراجي فدلفتُ إلى غرفتي في هدوء. جلستُ أفكر!.. ماذا أفعل جراء هذا الموقف؟!.. كنتُ على علم بأن أبنائي الثلاثة قد أصابهم هذا البلاء المشؤوم، وكان ذلك يدفعني أن أكثف لهم الدعاء بأن يقلعوا عن هذه العادة الخبيثة، ولكن! لم يدرْ بخلدي لحظة أن يجرؤ أحدهم على فعل ذلك بالمنزل. نعم، وجدتني أفتش ف...

"صدمة الأب"

صدمة الأب.. وغربة الحرف عشتُ قبل ست سنوات خلت صدمةً من ولديَّ، اهتزت لها أركان نفسي؛ إذ انحازا لأمهما انحيازاً واضحاً لا لَبْس فيه، في موقفٍ فاجأني فوقفتُ أمامه مذهولاً صامتاً. لقد ارتبطتُ بزوجي وشريكة كفاحي منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، عشناها في بناء أسرةٍ أسستُها بعرقي، وسهري، ودموعي، وعذابي. وقبل الالتزام بشرع الله عز وجل، كنتُ قد ألفتُ روايتي الوحيدة "التائهة"، وكنتُ على وشك نشرها، ليُعلن ذلك المولد المرتقب لأديبٍ وشاعر. لكن مشيئة الله سبحانه وتعالى وعنايته رأت لي خيراً غير ذلك؛ فمنَّ عليَّ بالالتزام بشرعه وسنة نبيه ﷺ. حينها، وتأثراً بفورة شعورٍ إيمانيٍ جارف، قمتُ بإطعام النار جميع مؤلفاتي الشعرية والنثرية، ولم تسلم من ذلك المحو بالطبع روايتي "التائهة"، رغم حصولي على تصريح بنشرها. واليوم، حين أسترجع ذلك المشهد بوعيٍ ناضج، أدركُ أنه كان خطأً كبيراً مني؛ دافعه عاطفةٌ دينية مخلصة، لكنها لم تُصقل بعلمٍ شرعيٍّ رصين يميز بين الحلال والحرام، ويُدرك أن الكلمة حسنها حسن وقبيحها قبيح. عقب تلك الأحداث، وأثناء فترة عقد القران، اقترفتُ خطأً آخر ب دافع "الصراحة المفرط...

"سوء الظن"

جدار الخوف العاطفي: عندما يكون "سوء الظن" حيلة لقلبٍ مفرط الحساسية بقلم: أحمد سعيد في غمرة الإنصات لحديث أحد الدعاة المشاهير، استوقفتني عبارة ألقاها في معرض حديثه عن أصحاب المشاعر الحساسة، أو "مرهفي الحِس" كما يسكنون في وجدان الأدب. لقد وصفهم جازماً بأنهم "سيئو الظن دوماً". مرّت الكلمة عابرة في حديثه، لكنها لم تمر في عقلي؛ بل أثارت في نفسي عاصفة من التساؤلات والتحليلات لمواقف عشتها وعاينتها مع من حولي، ليتكشف لي خيط رفيع يربط بين رهافة الحِس وعمق التوجس، خيط لا يبحث عن اتهام الآخرين، بل عن حماية الذات. إن الشخص مرهف الحِس ليس شخصاً عادياً في مشاعره؛ إنه كائن يعيش بعاطفة غزيرة، وجدان متوهج، وقلب يتدفق نبضاً. إذا أحبّ شخصاً—سواء كان صديقاً، أو رفيق درب، أو صاحب عمل—فإن هذا الحب يتملك عليه مجامع فؤاده. وفي سبيل الحفاظ على بقاء أواصر هذه المودة قائمة ومتينة، تجده يبذل أقصى ما في وسعه لإرضاء من يحب، حريصاً على ألّا يخدش صفو العلاقة كَدَر. ولكن، هنا تكمن المفارقة المؤلمة. فبسبب هذا التعلق الوجداني العميق، يمتلك الشخص الحساس راداراً فائق الدقة، يلتقط لغة الجسد، و...

"سوء الظن"

جدار الخوف العاطفي: عندما يكون "سوء الظن" حيلة لقلبٍ مفرط الحساسية بقلم: أحمد سعيد في غمرة الإنصات لحديث أحد الدعاة المشاهير، استوقفتني عبارة ألقاها في معرض حديثه عن أصحاب المشاعر الحساسة، أو "مرهفي الحِس" كما يسكنون في وجدان الأدب. لقد وصفهم جازماً بأنهم "سيئو الظن دوماً". مرّت الكلمة عابرة في حديثه، لكنها لم تمر في عقلي؛ بل أثارت في نفسي عاصفة من التساؤلات والتحليلات لمواقف عشتها وعاينتها مع من حولي، ليتكشف لي خيط رفيع يربط بين رهافة الحِس وعمق التوجس، خيط لا يبحث عن اتهام الآخرين، بل عن حماية الذات. إن الشخص مرهف الحِس ليس شخصاً عادياً في مشاعره؛ إنه كائن يعيش بعاطفة غزيرة، وجدان متوهج، وقلب يتدفق نبضاً. إذا أحبّ شخصاً—سواء كان صديقاً، أو رفيق درب، أو صاحب عمل—فإن هذا الحب يتملك عليه مجامع فؤاده. وفي سبيل الحفاظ على بقاء أواصر هذه المودة قائمة ومتينة، تجده يبذل أقصى ما في وسعه لإرضاء من يحب، حريصاً على ألّا يخدش صفو العلاقة كَدَر. ولكن، هنا تكمن المفارقة المؤلمة. فبسبب هذا التعلق الوجداني العميق، يمتلك الشخص الحساس راداراً فائق الدقة، يلتقط لغة الجسد، و...

"الزواج العجيب"

الزواج العجيب حصل هشام على شهادة ليسانس الآداب، ولأنه كان الابن الوحيد من الذكور لأبويه، فقد أعفي من أداء الخدمة العسكرية، وكان عليه أن يؤدي بدلاً منها سنة للخدمة العامة بإحدى مؤسسات الدولة. كان هشام حديث عهد بالالتزام؛ لذلك فقد أطلق لحيته، واختار أن يؤدي الخدمة العامة بأحد المساجد القريبة من منزله. بالفعل بدأ هشام يومه الأول في المسجد، واختار أن يقوم بشرح مادة الرياضيات لطلبة وطالبات الشهادة الإعدادية. وفي يوم من الأيام، وجد فتاة تدخل المسجد وقد ارتدت لباساً فضفاضاً وخماراً يغطي رأسها عدا عينيها وجزء من وجهها. شد هذا المنظر هشاماً، فتمنى بينه وبين نفسه أن يحظى بها زوجة، وقد علم بعد ذلك أنها تؤدي مثله الخدمة العامة، وأن اسمها "فاطمة". كان مع هشام زميل يؤدي الخدمة العامة أيضاً ويدعى "محمد"، وذات يوم راح محمد يصف لهشام الجمال الأخاذ لفاطمة، والذي يسمو به حياء جعلها تتعامل مع الرجال بتحفظ شديد. لم يكن هشام على علم بتلك التفاصيل؛ لأنه كان يغض بصره على الفور حين يراها، وكان لسماع هذه الصِفات أثر كبير في نفسه، إذ جعلته يتمسك أكثر بالارتباط بها. بدأ هشام يحدث والدته عن فاط...

"عاطفة الأخوة"

عاطفة الأخوة كنا أسرة صغيرة تتكون من أب وأم وثلاثة أبناء، حيث كنت أتوسط شقيقتي. والحقيقة أننا كنا أسرة متوسطة الحال، جمعنا الحب وطوقنا ثوب الحنان من أبوين تعلما كيف يغدقان على أبنائهما من عاطفتهما الجارفة. ولعل أكثر ما يدل على صدق قولي، هو ذلك الموقف الذي حدث بيني وبين شقيقتي الصغرى، والذي أرى أن أسوقه دلالة على ما سبق وبينته. كنا طفلين، أنا في العاشرة من عمري، وهي لم تكمل بعد سنواتها الثماني حين حدث لنا هذا الموقف. كنا في زيارة لأبي في مقر عمله، وللأسف لم نجده لأنه لم يكن ثمة موعد مسبق بيننا وبينه، ولم يكن أمامنا سوى أن نعود أدراجنا إلى المنزل دون تحقيق هدفنا المنشود. بدأنا نفكر، ماذا عسانا أن نصنع ونحن لا نملك سوى ثمن تذكرة ترام واحدة؟ وهنا تحركت شهامة الطفل في نفسي؛ فقد كنت الأكبر سناً والرجل في الموقف، لذا قررت على الفور أن تركب أختي وأكمل أنا الطريق ماشياً. في بادئ الأمر رفضت شقيقتي رفضاً قاطعاً أن تمتثل لفكرتي، ولكن بعد لأي وافقت على مضض، وسعدت أنا بذلك، ووقفت أرقبها والترام يتحرك بها، ثم سرت وراءه كأني أحرسها من الضياع، ولكن الترام كان أسرع من خطواتي الصغيرة بالطبع. سرت في طريقي...

"نهاية أديب"

نهاية أديب في أواخر عام 1983، وتحديداً مع تباشير فصل الشتاء —أحب الفصول إلى نفسي وأغزرها نتاجاً— تحركت في داخلي كوامن الشعر، واجتاحتني رغبة ملحة في الكتابة. هكذا شرعتُ أخطّ روايتي الأولى والوحيدة «التائهة»؛ وهو عنوان يجسد بصدق المآل الذي انتهت إليه (زهرة)، بطلة حكايتي. وحتى لا أطيل، فلنشرع في تلخيص العمل؛ تبدأ الرواية بوصول امرأة من دولة عربية شقيقة بصحبة زوجها، ليحلا ضيفين على أسرة «هشام» بطل قصتي. كان هدف زيارتهما لمصر هو عرض «زهرة» على طبيب نساء لبحث سبل وإمكانيات الحمل. ومع مرور الأيام، ولدت علاقة عاطفية بين هشام وزهرة؛ إذ انشغل الزوج في إنهاء بعض شؤونه الخاصة، تاركاً زوجته فريسة سهلة لتلك العاطفة الوليدة. وسرعان ما استعر لهيبها، فأصبحت زهرة تشعر بالوحشة مع زوجها. أما هشام، فقد صوّرتُ كمؤلفٍ عاطفته وحيرته في الكلمات التالية: «ونتساءل نحن أمام تلك الإرادة الجبارة التي أشغفت القلوب وأصابتها باللّظى... هل الحب ذنبٌ أم فضيلة؟! فإن كان ذنباً، فلمَ لا تكون لنا الإرادة على صدّه؟! وإن كان فضيلة؛ فلمَ يأتينا ونحن لا نملك الحق في الإشهار به أمام الناس؟!». ومثل هذه المقولة لا تصدر عادةً إلا م...