"سوء الظن"

جدار الخوف العاطفي: عندما يكون "سوء الظن" حيلة لقلبٍ مفرط الحساسية
بقلم: أحمد سعيد
في غمرة الإنصات لحديث أحد الدعاة المشاهير، استوقفتني عبارة ألقاها في معرض حديثه عن أصحاب المشاعر الحساسة، أو "مرهفي الحِس" كما يسكنون في وجدان الأدب. لقد وصفهم جازماً بأنهم "سيئو الظن دوماً". مرّت الكلمة عابرة في حديثه، لكنها لم تمر في عقلي؛ بل أثارت في نفسي عاصفة من التساؤلات والتحليلات لمواقف عشتها وعاينتها مع من حولي، ليتكشف لي خيط رفيع يربط بين رهافة الحِس وعمق التوجس، خيط لا يبحث عن اتهام الآخرين، بل عن حماية الذات.
إن الشخص مرهف الحِس ليس شخصاً عادياً في مشاعره؛ إنه كائن يعيش بعاطفة غزيرة، وجدان متوهج، وقلب يتدفق نبضاً. إذا أحبّ شخصاً—سواء كان صديقاً، أو رفيق درب، أو صاحب عمل—فإن هذا الحب يتملك عليه مجامع فؤاده. وفي سبيل الحفاظ على بقاء أواصر هذه المودة قائمة ومتينة، تجده يبذل أقصى ما في وسعه لإرضاء من يحب، حريصاً على ألّا يخدش صفو العلاقة كَدَر.
ولكن، هنا تكمن المفارقة المؤلمة. فبسبب هذا التعلق الوجداني العميق، يمتلك الشخص الحساس راداراً فائق الدقة، يلتقط لغة الجسد، ونبرة الصوت، وتبدّل النظرات. فإذا صدر من الطرف الآخر موقف عابر، أو كلمة حمالة أوجه، أو نظرة غامضة، انبرى عقله الباطن فوراً لتفسيرها على أسوأ معانيها المحتملة. هذا التفسير هو ما يُسارع الكثيرون—ومنهم ذلك الداعية—إلى تسميته بـ "سوء الظن".
بيد أن الحقيقة النفسية أعمق من هذا الحكم السطحي الجائر. إن الشخص مرهف الحِس لا يُسيء الظن في ذات الشخص الذي أحبه، وإلا لانصرف عنه، وأولاه ظهره، وقطع حبال وصله. إن سوء ظنه لا يستهدف "المرسِل" بل يستهدف "الرسالة"؛ إنه يسوء الظن في الموقف الحادث، أو الكلمة العابرة، أو النظرة المفاجئة.
لماذا يفعل ذلك؟
إن سوء الظن هنا ليس خُبثاً في السريرة، بل هو "حائط الصد المنيع" الذي يشيده العقل الباطن لتتحطم على صخوره أي صدمة خذلان محتملة. الشخص مفرط الحساسية يدرك—ولو لا وعياً—أن مشاعره المتدفقة تجعله عرضة لكسرٍ قد لا يبرأ منه، وأن الصدمة العاطفية قد تكلفه ألماً نفسياً وجسدياً بالغاً. ومن هنا، يتدخل عقله كآلية دفاع استباقية، فيتوقع السيناريو الأسوأ ويتجرع مرارته مقدماً كنوع من "التطعيم النفسي"، حتى إذا وقعت الصدمة فعلياً، وجدته متأهباً فلا ينكسر قلبه بالكامل، وإذا ثبت زيف مخاوفه، تنفس الصعداء وعاد لدفء العلاقة.
إنها وقاية نفسية يجابه بها مفرطو الحساسية صدمات من تعلق قلبهم بهم. إنهم لا يسيئون الظن كراهية بالآخرين، بل خوفاً على مكانة الآخرين في قلوبهم، وخوفاً على قلوبهم من الانكسار.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليل وتلخيص رواية ميرامار

"الصف الأخير"

شرح الشاطبية