المشاركات

"سوء الظن"

جدار الخوف العاطفي: عندما يكون "سوء الظن" حيلة لقلبٍ مفرط الحساسية بقلم: أحمد سعيد في غمرة الإنصات لحديث أحد الدعاة المشاهير، استوقفتني عبارة ألقاها في معرض حديثه عن أصحاب المشاعر الحساسة، أو "مرهفي الحِس" كما يسكنون في وجدان الأدب. لقد وصفهم جازماً بأنهم "سيئو الظن دوماً". مرّت الكلمة عابرة في حديثه، لكنها لم تمر في عقلي؛ بل أثارت في نفسي عاصفة من التساؤلات والتحليلات لمواقف عشتها وعاينتها مع من حولي، ليتكشف لي خيط رفيع يربط بين رهافة الحِس وعمق التوجس، خيط لا يبحث عن اتهام الآخرين، بل عن حماية الذات. إن الشخص مرهف الحِس ليس شخصاً عادياً في مشاعره؛ إنه كائن يعيش بعاطفة غزيرة، وجدان متوهج، وقلب يتدفق نبضاً. إذا أحبّ شخصاً—سواء كان صديقاً، أو رفيق درب، أو صاحب عمل—فإن هذا الحب يتملك عليه مجامع فؤاده. وفي سبيل الحفاظ على بقاء أواصر هذه المودة قائمة ومتينة، تجده يبذل أقصى ما في وسعه لإرضاء من يحب، حريصاً على ألّا يخدش صفو العلاقة كَدَر. ولكن، هنا تكمن المفارقة المؤلمة. فبسبب هذا التعلق الوجداني العميق، يمتلك الشخص الحساس راداراً فائق الدقة، يلتقط لغة الجسد، و...

"سوء الظن"

جدار الخوف العاطفي: عندما يكون "سوء الظن" حيلة لقلبٍ مفرط الحساسية بقلم: أحمد سعيد في غمرة الإنصات لحديث أحد الدعاة المشاهير، استوقفتني عبارة ألقاها في معرض حديثه عن أصحاب المشاعر الحساسة، أو "مرهفي الحِس" كما يسكنون في وجدان الأدب. لقد وصفهم جازماً بأنهم "سيئو الظن دوماً". مرّت الكلمة عابرة في حديثه، لكنها لم تمر في عقلي؛ بل أثارت في نفسي عاصفة من التساؤلات والتحليلات لمواقف عشتها وعاينتها مع من حولي، ليتكشف لي خيط رفيع يربط بين رهافة الحِس وعمق التوجس، خيط لا يبحث عن اتهام الآخرين، بل عن حماية الذات. إن الشخص مرهف الحِس ليس شخصاً عادياً في مشاعره؛ إنه كائن يعيش بعاطفة غزيرة، وجدان متوهج، وقلب يتدفق نبضاً. إذا أحبّ شخصاً—سواء كان صديقاً، أو رفيق درب، أو صاحب عمل—فإن هذا الحب يتملك عليه مجامع فؤاده. وفي سبيل الحفاظ على بقاء أواصر هذه المودة قائمة ومتينة، تجده يبذل أقصى ما في وسعه لإرضاء من يحب، حريصاً على ألّا يخدش صفو العلاقة كَدَر. ولكن، هنا تكمن المفارقة المؤلمة. فبسبب هذا التعلق الوجداني العميق، يمتلك الشخص الحساس راداراً فائق الدقة، يلتقط لغة الجسد، و...

"الزواج العجيب"

الزواج العجيب حصل هشام على شهادة ليسانس الآداب، ولأنه كان الابن الوحيد من الذكور لأبويه، فقد أعفي من أداء الخدمة العسكرية، وكان عليه أن يؤدي بدلاً منها سنة للخدمة العامة بإحدى مؤسسات الدولة. كان هشام حديث عهد بالالتزام؛ لذلك فقد أطلق لحيته، واختار أن يؤدي الخدمة العامة بأحد المساجد القريبة من منزله. بالفعل بدأ هشام يومه الأول في المسجد، واختار أن يقوم بشرح مادة الرياضيات لطلبة وطالبات الشهادة الإعدادية. وفي يوم من الأيام، وجد فتاة تدخل المسجد وقد ارتدت لباساً فضفاضاً وخماراً يغطي رأسها عدا عينيها وجزء من وجهها. شد هذا المنظر هشاماً، فتمنى بينه وبين نفسه أن يحظى بها زوجة، وقد علم بعد ذلك أنها تؤدي مثله الخدمة العامة، وأن اسمها "فاطمة". كان مع هشام زميل يؤدي الخدمة العامة أيضاً ويدعى "محمد"، وذات يوم راح محمد يصف لهشام الجمال الأخاذ لفاطمة، والذي يسمو به حياء جعلها تتعامل مع الرجال بتحفظ شديد. لم يكن هشام على علم بتلك التفاصيل؛ لأنه كان يغض بصره على الفور حين يراها، وكان لسماع هذه الصِفات أثر كبير في نفسه، إذ جعلته يتمسك أكثر بالارتباط بها. بدأ هشام يحدث والدته عن فاط...

"عاطفة الأخوة"

عاطفة الأخوة كنا أسرة صغيرة تتكون من أب وأم وثلاثة أبناء، حيث كنت أتوسط شقيقتي. والحقيقة أننا كنا أسرة متوسطة الحال، جمعنا الحب وطوقنا ثوب الحنان من أبوين تعلما كيف يغدقان على أبنائهما من عاطفتهما الجارفة. ولعل أكثر ما يدل على صدق قولي، هو ذلك الموقف الذي حدث بيني وبين شقيقتي الصغرى، والذي أرى أن أسوقه دلالة على ما سبق وبينته. كنا طفلين، أنا في العاشرة من عمري، وهي لم تكمل بعد سنواتها الثماني حين حدث لنا هذا الموقف. كنا في زيارة لأبي في مقر عمله، وللأسف لم نجده لأنه لم يكن ثمة موعد مسبق بيننا وبينه، ولم يكن أمامنا سوى أن نعود أدراجنا إلى المنزل دون تحقيق هدفنا المنشود. بدأنا نفكر، ماذا عسانا أن نصنع ونحن لا نملك سوى ثمن تذكرة ترام واحدة؟ وهنا تحركت شهامة الطفل في نفسي؛ فقد كنت الأكبر سناً والرجل في الموقف، لذا قررت على الفور أن تركب أختي وأكمل أنا الطريق ماشياً. في بادئ الأمر رفضت شقيقتي رفضاً قاطعاً أن تمتثل لفكرتي، ولكن بعد لأي وافقت على مضض، وسعدت أنا بذلك، ووقفت أرقبها والترام يتحرك بها، ثم سرت وراءه كأني أحرسها من الضياع، ولكن الترام كان أسرع من خطواتي الصغيرة بالطبع. سرت في طريقي...

"نهاية أديب"

نهاية أديب في أواخر عام 1983، وتحديداً مع تباشير فصل الشتاء —أحب الفصول إلى نفسي وأغزرها نتاجاً— تحركت في داخلي كوامن الشعر، واجتاحتني رغبة ملحة في الكتابة. هكذا شرعتُ أخطّ روايتي الأولى والوحيدة «التائهة»؛ وهو عنوان يجسد بصدق المآل الذي انتهت إليه (زهرة)، بطلة حكايتي. وحتى لا أطيل، فلنشرع في تلخيص العمل؛ تبدأ الرواية بوصول امرأة من دولة عربية شقيقة بصحبة زوجها، ليحلا ضيفين على أسرة «هشام» بطل قصتي. كان هدف زيارتهما لمصر هو عرض «زهرة» على طبيب نساء لبحث سبل وإمكانيات الحمل. ومع مرور الأيام، ولدت علاقة عاطفية بين هشام وزهرة؛ إذ انشغل الزوج في إنهاء بعض شؤونه الخاصة، تاركاً زوجته فريسة سهلة لتلك العاطفة الوليدة. وسرعان ما استعر لهيبها، فأصبحت زهرة تشعر بالوحشة مع زوجها. أما هشام، فقد صوّرتُ كمؤلفٍ عاطفته وحيرته في الكلمات التالية: «ونتساءل نحن أمام تلك الإرادة الجبارة التي أشغفت القلوب وأصابتها باللّظى... هل الحب ذنبٌ أم فضيلة؟! فإن كان ذنباً، فلمَ لا تكون لنا الإرادة على صدّه؟! وإن كان فضيلة؛ فلمَ يأتينا ونحن لا نملك الحق في الإشهار به أمام الناس؟!». ومثل هذه المقولة لا تصدر عادةً إلا م...

"الرائحة المميزة"

 رَاحَ صَلَاحٌ يُتَابِعُ فِي شَغَفٍ قَطَرَاتِ المَطَرِ وَهِيَ تَتَهَادَى خَلْفَ نَافِذَتِهِ، وَأَحَسَّ فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ بِحَنِينٍ يَشُدُّهُ إِلَى المَاضِي. تَذَكَّرَ كَيْفَ كَانَ تَأْثِيرُ هَذَا المَشْهَدِ عَلَى مَشَاعِرِهِ فِي سَنَوَاتِ عُمْرِهِ الأُولَى، حَتَّى إِنَّهُ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يُسَارِعُ بِالانْطِلَاقِ إِلَى شَاطِئِ البَحْرِ؛ لِيُرَاقِبَ عَنْ كَثَبٍ احْتِضَانَ صَفْحَةِ اليَمِّ لِتِلْكَ القَطَرَاتِ. كَانَ هَذَا المَشْهَدُ يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهِ أَيَّمَا تَأْثِيرٍ، بَلْ وَيَأْخُذُ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ، وَشَيْئاً فَشَيْئاً يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ إِحْسَاسٌ غَامِضٌ مُطَعَّمٌ بِالسَّعَادَةِ. كَانَ يَشْعُرُ بِرُوحِهِ تَشِفُّ وَبِمَشَاعِرِهِ تَتَدَغْدَغُ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ تَأْثِيرِ نَزْعَتِهِ الشَّاعِرِيَّةِ الَّتِي كَثِيراً مَا حَلَّقَتْ بِهِ إِلَى خَيَالِ اللَّامَعْقُولِ. وَحِينَ ارْتَقَتْ بِهِ الذِّكْرَيَاتُ إِلَى أَوْجِ الإِحْسَاسِ بِهَا، انْدَفَعَ فِي شَوْقٍ وَلَهْفَةٍ لِتَكْرَارِ التَّجْرِبَةِ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ مُتَسَائِلاً: تُرَى هَلْ سَتُعَا...

"الفتنة"

الفتنةُ.. وتجرؤ الـمُشَرِّعين" يقولون في مأثورِ كلامهم: «إنَّ الشخصَ مَفتونٌ؛ إذا أصبح يرى ما كان يراهُ بالأمسِ حراماً.. حلالاً!» وهنا يثورُ في نفسي تساؤلٌ مشروعٌ: مَنِ الذي يملكُ حقَّ التحديدِ والفصلِ في الحلالِ والحرام؟ أليس هو اللهُ جلَّ في علاه؟ أليس هو رسولُه الـمُصطفى ﷺ الذي لا ينطقُ عن الهوى؟ فما بالُ بعضِ مَن تصدَّروا للفتوى يتجرأون على مَقامِ التشريعِ الإلهي، فيُحلِّلون ويُحرِّمون وِفْقَ أهوائهم، دون أن يرتكزوا على أدلةٍ صريحةٍ من القرآنِ والسُّنةِ؟ إنني هنا بصددِ كشفِ الغطاءِ عن مسألةٍ جوهريةٍ تَمَسُّ عقْلَ الـمُسلمِ: مَن الذي يملكُ -حَقّاً- سُلطةَ التحليلِ والتحريم؟ ولنضربْ أمثلةً واقعيّةً تتضحُ بها الصورة: بالأمسِ القريبِ، قالوا: إنَّ الـمُشاركةَ في الانتخاباتِ البرلمانيةِ "حرامٌ"؛ لأنها تُعينُ الظالمَ وتمنحه شرعيَّةً. واليوم، تبدَّلتِ النبرةُ وأصبحتِ الـمُشاركةُ "حلالاً"؛ بحجَّةِ أنها تُحدِّدُ هُويَّةَ مَن يُمثِّلُ الشعب! بالأمسِ قالوا: إنَّ الأفراحَ الـمُختلطةَ لا تجوزُ لـِمَا تؤدي إليه من فتنةٍ وسُفور. واليوم يخرجُ مَن يقولُ: إنَّ الشرعَ أباحَها ...