المشاركات

التضحية

التضحية الكبرى بعد فراقٍ دام قرابة خمسة عشر عاماً، تجدّد اللقاء الذي حرّك الرواكد وأيقظ الذكريات. كان آخر عهده بها حين تقدم لخطبتها مواسياً ومحباً بعد وفاة زوجها؛ إذ كان يرى في أعماق نفسه أنه مدينٌ لها باعتذار وعمرٍ جديد، بعد أن غادر حياتها وهي في مقتبل عطفها ولم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، لظروفٍ شخصية لم تكن لها يدٌ فيها. كان يحدوه أملٌ راسخ في أن يعوضها برباط الزواج عن كل لحظة مريرة تجرعتها في غيابه. لم يكن هناك أدنى شك في مشاعرها كأنثى؛ فقد انتفض قلبها فرحاً بعودة الحبيب الأول الذي نبتت على يديه أولى نواصي الهوى. لكن الواقع كان أثقل من الأحلام؛ فقد أصبحت مسؤولة عن أيتامٍ يتلمسون في حضنها الأمان والرعاية، إلى جانب معضلة مادية تمثلت في أن نفقة الأبناء التي ورثوها عن أبيهم ستنقطع تماماً فور زواجها. وجدت نفسها في مفترق طرق بين خيارين كلاهما علقم، فاختارت بوعي الأمومة النبيلة أن تئد عاطفتها وتضحي بقلبها في سبيل أبنائها، ليتواثق الحبيبان على كتمان سرهما والمضي في دروب الحياة الفانية. دارت عجلات الزمن، وتعاقبت السنوات تلو السنوات، حتى قادت الصدفة خطاه ليرى اسمها بين صديقات شقيقته على من...

"نهاية أديب "

نهاية أديب في أواخر عام 1983، ومع التباشير الأولى لفصل الشتاء —أحب الفصول إلى نفسي وأغزرها نتاجاً— تحركت في داخلي كوامن الشِّعر، واجتاحتني رغبة عارمة في الكتابة.، وفي غمرة ذلك الدفء الإنساني المنساب مع صقيع ديسمبر، شرعتُ أخطّ روايتي الأولى والوحيدة «التائهة»؛ وهو عنوان لم يكن مجرد اسم لعمل أدبي، بل كان يجسد بصدقٍ فاجعة المآل الذي انتهت إليه «زهرة»، بطلة روايتي. تبدأ الرواية بوخزة واقعية؛ حين وصلت امرأة من دولة عربية شقيقة بصحبة زوجها، ليحلا ضيفين عزيزين على أسرة «هشام» —بطل قصتي المأخوذ  طبعاً عن ملامح تجربتي. كانت غاية رحلتهما إلى مصر هي عرض «زهرة» على أطباء النساء، بحثاً عن أمل مفقود في الحمل والأمومة. ومع تعاقب الأيام الرتيبة، ولدت من رحم النظرات والمواساة عاطفة جارفة بين هشام وزهرة؛ إذ انشغل الزوج الغافل في إنهاء بعض شؤونه الخاصة، تاركاً زوجته فريسة سهلة لتلك المشاعر الوليدة. وسرعان ما استعر لهيب الشوق، فأصبحت زهرة تشعر بالوحشة والغربة مع زوجها، بينما تاه هشام في دياجير حيرته. كمؤلفٍ، صوّرتُ تلك التوأمة الروحية المعذبة في سطورٍ أذكرها جيداً: «ونتساءل نحن أمام تلك الإرادة الجبار...

"فهم الدين "

 " فهم الدين "  (بين جحود القلوب وعصمة العلم النافع) يقول ربنا في سورة الأنعام مبيناً موقف الكافر يوم القيامة: " و لو ترى إذ و قفوا على النار فقالوا ياليتنا نُردُّ ولانكذِّبَ بآيات ربنا ونكون من المؤمنين"(٢٧ الانعام)..  ثم بيّنَ الله كذبهم فقال: "بل بدا لهم ماكانوا يخفون من قبل. ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون"(٢٨ الأنعام)  ف تأمل  معي مدى جحود بشرٍ سوّد الكفر قلوبهم! أما العصاة من المسلمين، فهم يقعون في المعاصي ولسان حالهم يقول"ربنا لاتؤاخنا إن نسيناأوأخطأنا...". وعقيدتنا فيمن مات على كبيرة دون توبة أنه تحت المشيئة؛ إن شاء الله عفا عنه فضلاً، وإن شاء عذبه عدلاً، لكنه إذا لزم الاستغفار وأحدث بعد كل ذنب توبة؛ فسيكون وضعه أفضل بكثير. وما أعظم حديث المغفرة المكرر! يقول الله في الحديث القدسي عن عبده المستغفر: «علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به.. أشهدكم أني قد غفرت له ما دام يستغفرني». ياااا الله.. ما أعظمك وما أكرمك يا إله العالمين! لكن انتبه؛ هذا ليس باباً للركون، بل دافع للعمل والاجتهاد. إن حسن الظن بالله يسير قدماً بقدم مع حسن العم...

"رحلة أدبية"

رحلة الحلم المؤجل.. وولادة ديواني الأول" أخوضُ اليومَ تجربةً جديدةً، وإن كان قد سبق لي الخوض في تجربةٍ مماثلةٍ منذُ أكثر من ثلاثين عاماً ولم يُكتب لها النجاحُ لظروفٍ خارجةٍ عن إرادتي.. اليومَ لديَّ شغفٌ كبيرٌ أن أخوضَ التجربةَ إلى نهايتها؛ وهي باختصار: سفري إلى القاهرة للتعاقد على طبع ونشر ديواني الشعري الأول. حيث تواصلتُ مع إحدى دور النشر هناك، وهي "دار أوراق للنشر والتوزيع"، وبصحبتي ما يقرب من ثلاثين قصيدةً، بعد أن اتفقتُ معهم على كلِّ شيءٍ. واللهَ أسألُ أن يوفقني في هذه الخطوة، لتكون ذِكرى طيّبةً لأبنائي وأحفادي. بعد ثوانٍ سوف يتحركُ القطارُ متجهاً صوبَ القاهرة.. وصلتُ إلى القاهرة حوالي الواحدة إلا الربع ظهراً، وعلى الفور توجهتُ إلى دورات المياه حيث أصلحتُ من شأني، وتوضأتُ وصليتُ الظهر والعصر جمعاً وقصراً؛ اتباعاً لهدي نبينا محمد ﷺ. ثم توجهتُ بعد ذلك إلى المترو، وكان المكان المتفق عليه يبعد محطتين فقط، وبسهولةٍ وصلتُ إلى المقصد. اتصلتُ بمدير الدار فأخبرني أن الموعد في الثالثة، واعتذر لي بشدةٍ عن عدم تمكنه من المجيء إلى المكتب قبل ذلك، فلم أجد بداً من الجلوس في مقهىً أ...

"فرخ اليمام"

نسمات الصباح وفرخ اليمام" منذُ فترةٍ ليست بالقصيرة، اعتدتُ أنا وزوجتي أن نسير مع نسمات الصباح الأولى لمدة نصف ساعةٍ عملاً بنصيحة الطبيب. ومنذُ خمسة أيامٍ، وأثناء سيرنا، وجدنا فرخَ يمامٍ صغيرٍ يلوذ بالحائط خوفاً من قطٍّ يحوم حوله؛ فأدركتنا الشفقة به وحملناه معنا إلى المنزل. وحين عدنا أدراجنا، جهّزنا له صندوقاً صغيراً للإقامة به، كما راحت زوجتي تطعمه بيدها وتسقيه، وحسبنا أنه مع الوقت سيألفنا. ولكن بعد يومين، حاولتُ أن أداعبه فحرّك أحد جناحيه لأعلى مدافعاً عن نفسه، فأدركتُ على الفور أنه يتعامل بفطرته؛ إذ إنه لا يأمن للإنسان عكس كثيرٍ من الحيوانات، فتعاملنا معه بناءً على هذه الفطرة. مضت خمسة أيامٍ وبدأ عوده يشتدُّ بعض الشيء، وراحت زوجتي تقذفه لأعلى كي تدربه على الطيران، وهو يستجيب لها فيطير مسافةً قصيرةً ثم يحطُّ مسرعاً. وحينئذٍ، وجدتني أتناقش مع زوجتي بأن ما تفعله ليس صائباً، وكان تفسيري لها: "إن الفرخ ما زال لا يستطيع التقاط الحبِّ بمنقاره، فدعيه حتى يشتد عوده ويستطيع الطيران دون مساعدة؛ فحين يستطيع الطيران سيهرب إلى أقصى ارتفاعٍ في الشقة ولن نستطيع الإمساك به، وفي الوقت ذاته ل...

"همسات عاطفية"

" همسات عاطفية " إن نفساً لم يشرق الحبُّ فيها، هي نفسٌ لم تدرِ ما معناها؛ فإننا بالحبِّ نحيا ونجاهد، ونصمد ونساند. هكذا تمضي القلوبُ إذا ما برئت من الآلام، وتلاشت عنها سحائبُ الأوهام، فتضحي ذخراً ونوراً. لستُ أدري بأي قلبٍ أخطو على درب الحياة! غير أنّي أشعرُ أنّ تلك العاطفة الجيّاشة المتلألئة فوق تاج الفؤاد لجديرةٌ بأن تُدين لها كلُّ القلوبِ بلا حدود. ليت شِعري ما سرُّ هذا الشعور الّذي يأسُرني؟ يسرقُني من نفسي، من همسي، ومن أفكاري؛ فيحتوينا معاً طيفاً يحلِّق في فضاءٍ بلا معالم أو حدود، فنسبحُ في ذلك الفيض النّوراني أنقى لحظات حبِّنا. ألقاكِ يا عمراً لفهُ ثوبُ الحنان، فأرى الحياة في عينيكِ عروساً هيفاء تتهادى في خفّةِ الطائر؛ وأذوبُ في سحرِ عينيكِ كما يذوبُ الليلُ في ثغرِ النّهار. كم تهفو نفسي أن تغرس في روضة قلبك براعمَ حبّي، وأطفق أرويها من خفقان قلبي، ورعشات أنفاسي، ورحيق إحساسي ما بقيت لي أنفاسٌ في الحياة؛ حتّى إذا ما دارت بنا الأيّامُ، فجئتُكِ شاحبَ اللون، مُتراخي الأطرافِ، مُتداعي الأنفاسِ.. توسَّدتُ صدركِ وتلحَّفتُ بأهدابكِ، وراحت أزهارُ عمري تذبل شيئاً فشيئاً في راحتيك...

"الصف الأخير"

[٢٩/‏٧ ٤:٣٩ م] أحمد سعيد: الصّف الأخير" اجتمع ثلاثة من الأصدقاء؛ سعيد، وحُسين، ومُحمَّد، في منزل الأخير يستذكرون معاً مادة "المساحة"، وذلك بعد أن أخبرهم أستاذ المادة أن اختبار نصف العام سيكون بعد أسبوع واحد فقط؛ لذا أعطوا المادة جلَّ وقتِهم. وقد تميّز سعيد ومُحمَّد بمهارتهما العالية في تلك المادة بسبب تفوقهما السابق في الرياضيات، على عكس حُسين الذي كان مستواه دون المتوسط. وبذل الصديقان مجهوداً مضاعفاً مع صديقهما حُسين لتحسين تحصيله دون جدوى. وحيث لم يكن ثمة وقت كافٍ للاستعداد، تفتّق ذهنُ حُسين عن فكرة شيطانية عرضها على الصديقين فوافقا عليها على مضض؛ وتلخصّت الفكرة في أن يجلس حّسين في قاعة الامتحان بحيث يكون مُحمَّد عن يمينه وسعيد أمامه، وذلك لسهولة نقل إجابة أحدهما إذا ما احتاج إلى ذلك. جاء يوم الاختبار وجلس الثلاثة حسبما اتفقوا. وكان ضمن الأسئلة سؤالٌ عن المنحنيات؛ ففهم سعيد السؤال على أنّه يتعلّق بالمنحنيات الأفقية (المتعلِّقة بتحديد دوران الشوارع)، بينما فهمه مُحمَّد على أنَّـه يتعلّق بالمنحنيات الرأسية (المتعلِّقة بتحديد ميول الكباري). ونظراً للمأزق، نقل حُسين إجابة ...