"الصف الأخير"
[٢٩/٧ ٤:٣٩ م] أحمد سعيد: الصّف الأخير"
اجتمع ثلاثة من الأصدقاء؛ سعيد، وحُسين، ومُحمَّد، في منزل الأخير يستذكرون معاً مادة "المساحة"، وذلك بعد أن أخبرهم أستاذ المادة أن اختبار نصف العام سيكون بعد أسبوع واحد فقط؛ لذا أعطوا المادة جلَّ وقتِهم. وقد تميّز سعيد ومُحمَّد بمهارتهما العالية في تلك المادة بسبب تفوقهما السابق في الرياضيات، على عكس حُسين الذي كان مستواه دون المتوسط. وبذل الصديقان مجهوداً مضاعفاً مع صديقهما حُسين لتحسين تحصيله دون جدوى. وحيث لم يكن ثمة وقت كافٍ للاستعداد، تفتّق ذهنُ حُسين عن فكرة شيطانية عرضها على الصديقين فوافقا عليها على مضض؛ وتلخصّت الفكرة في أن يجلس حّسين في قاعة الامتحان بحيث يكون مُحمَّد عن يمينه وسعيد أمامه، وذلك لسهولة نقل إجابة أحدهما إذا ما احتاج إلى ذلك.
جاء يوم الاختبار وجلس الثلاثة حسبما اتفقوا. وكان ضمن الأسئلة سؤالٌ عن المنحنيات؛ ففهم سعيد السؤال على أنّه يتعلّق بالمنحنيات الأفقية (المتعلِّقة بتحديد دوران الشوارع)، بينما فهمه مُحمَّد على أنَّـه يتعلّق بالمنحنيات الرأسية (المتعلِّقة بتحديد ميول الكباري). ونظراً للمأزق، نقل حُسين إجابة السؤال بالكامل من مُحمَّد.
وبعد انتهاء لجنة الاختبار، خرج الثلاثة وحين تناقشوا في المسائل الواردة، اكتشفوا أنّ الصواب كان في إجابة سعيد، وأنّ السؤال يتعلَّق بالمنحنيات الأفقية وليست الرأسية!
حضر الثلاثة المحاضرة التالية لمادة المساحة، وجلسوا في الصَّف الأخير من المُدرَّج كما تعوّدوا. وأثناء الشّرح، ارتفعت أصواتُهم نسبيّاً ممّا أثار حفيظة أستاذ المادة، فجعل منهم مادة للسخرية، وراح يتحدّث متهكماً عن وضع الصفر على يسار الرّقم وكيف أنّه لا قيمة له تماماً مثل طلبة الصَّف الأخير! وهكذا ظلّ يضرب المثال تلو الآخر مشيراً بالتلميح تارة وبالتصريح أخرى إلى الأصدقاء الثلاثة.
فهمس حُسين لمُحمّد: "هل سنترك المُدرِّس يستهزئ بنا هكذا؟!". فاندفع مُحمَّد –وكان معروفاً بحدّة الطبع– مُخاطباً الأستاذ علناً: "لكل بداية لابد لها من نهاية يا دكتور!".
نظر إليه الأستاذ مندهشاً ثمّ قال: "ماذا تعني بذلك؟!".
أجاب محمد: "أعني أنّ كلَّ أوّل لابد له من آخر، ثمّ إنّني إذا ما جئتُ ووجدتُ الصّفوف الأمامية قد حُجِزت، فأين أجلس إذن؟!".
أثارت هذه الإجابة المنطقية حفيظة الأستاذ فصاح بغضب: "اجلس فوق رأسك!".
رد محمد بجرأة: "عفواً! هذا هو الوضع الخطأ".
استشاط الأستاذ غضباً وسأله: "ما اسمك؟!".
أجاب: "مُحمَّد عبد العزيز".
فقال الأستاذ متهكماً: "ليس عندك شيء من العِزَّة!".
فرد محمد بثبات: "العِزَّة لله وليست لنا".
بلغ الغضب بالأستاذ مبلغه، فطلب تدوين جميع أسماء طلبة الصَّف الأخير متوعداً إيّاهم: "سوف توضح درجاتكم في المادة مستواكم الحقيقي!". وانتهت المُحاضرة وسط جو مشحون بالتوتر والقلق.
استبدَّ القلق بالأصدقاء الثّلاثة؛ إذ علموا أنّ الأستاذ سيقوم بتصحيح إجاباتهم بمزيد من التركيز والتنقيب عن أي خطأ، حتّى ولو كان صغيراً، ليقوم بدوره بتضخيمه والشماتة بهم. وتمنّى ثلاثتهم لو حدث هذا الموقف قبل الاختبار ليستعدوا مجتهدين أكثر. أمّا الآن فما عساهم أن يفعلوا وقد صارت إجاباتهم بين يديه؟ وبالطبع، كان الّلوم والتقريع من نصيب مُحمّد بسبب اندفاعه وتسببه في هذا الموقف المُحرج.
راح الجميع يترقّبون بلهفة يشوبها الخوف ما سوف يحدث من مفاجآت في المحاضرة التالية؛ وتعمد الأصدقاء الثلاثة التخلّف عن تلك المحاضرة لتجنّب فاصل السُخرية المحتمل أمام زملائهم. وبعد انتهاء المحاضرة، خرج الطلاب بين مسرورٍ بدرجته وآخر لم يحالفه التوفيق؛ وتطلّع الأصدقاء إلى عيون الطلبة يبحثون عمّا دار بشأن الصَّف الأخير، وهنا بادرهم أحد الزملاء: "لقد منحكم الأستاذ أصفاراً!"
لم يصدّق سعيد الخبر؛ لقد كان على يقين من صحة إجاباته، فكيف حدث هذا؟! هل أخذه الأستاذ بجريرة غيره؟! لقد كان الحوار الحاد بين الأستاذ ومُحمَّد وحده، فما ذنبه هو؟! هكذا راح سعيد يحدّث نفسه في دهشة يصاحبها ألم، بينما التزم الآخران الصمت لشعورهما بالذنب. وما هي إلّا لحظات حتّى ظهرت الحقيقة كاملة؛ فقد اكتشف دكتور المادة التطابق الشديد في سؤال المنحنيات الخطأ والّذي اشترك فيه مُحمَّد وحُسين، فأدرك على الفور أنّ أحدهما غشَّ من الآخر، وهنا وجد بغيته في الانتقام منهما فمنحهما صفراً مستحقاً.
ظل سعيد في حيرة من أمره، فهو لا يزال يجهل نتيجته الفعلية؛ فهل يذهب للأستاذ في مكتبه أم ينتظر للمحاضرة التالية؟ وأخيراً، حسم أمره وقرر الذهاب إليه وليكن ما يكون. وحين دخل على الأستاذ في مكتبه، بادره الأخير بجفاء: "ماذا تريد؟!".
أجاب بثبات: "عفواً أستاذي؛ فقط أريد معرفة درجتي في الاختبار".
راح الأستاذ يقلّب أوراقاً أمامه، ثمَّ سحب ورقة سعيد من بينها، وفي دهشة واضحة راح يقلِّب بصره بين السطور وبين سعيد، ثمَّ مدَّ يده بالورقة مخاطباً إيّاه بنبرة تقدير: "مبروك.. لقد كانت إجاباتك رائعة ونموذجية".
في بداية الأمر، ظنَّ سعيد أن الأستاذ يسخر منه، ولكن حين أبصر درجته كاد قلبه يقفز فرحاً من بين ضلوعه؛ لقد منحه الأستاذ الدرجة النهائية الكاملة (160 من 150) بعد أن أضاف له عشرين درجة مكافأة على تميزه وانفراده بالحل الصحيح.
أسرع سعيد يعدو إلى صديقيه بجناحي الفرحة ونشوة الفوز، وحين علما بالخبر قابلاه بفرحةٍ عارمة؛ فرغم رسوبهما، شعروا جميعاً بالانتصار، فقد ثبت عكس ما توقّعه الأستاذ تماماً، وجاء الطالب الأول في مادة المساحة من ذلك "الصَّف الأخير" الّذي طالما سخر منه.
تأليف: أحمد سعيد
تعليقات
إرسال تعليق