"عاطفة الأخوة"
عاطفة الأخوة
كنا أسرة صغيرة تتكون من أب وأم وثلاثة أبناء، حيث كنت أتوسط شقيقتي. والحقيقة أننا كنا أسرة متوسطة الحال، جمعنا الحب وطوقنا ثوب الحنان من أبوين تعلما كيف يغدقان على أبنائهما من عاطفتهما الجارفة. ولعل أكثر ما يدل على صدق قولي، هو ذلك الموقف الذي حدث بيني وبين شقيقتي الصغرى، والذي أرى أن أسوقه دلالة على ما سبق وبينته.
كنا طفلين، أنا في العاشرة من عمري، وهي لم تكمل بعد سنواتها الثماني حين حدث لنا هذا الموقف. كنا في زيارة لأبي في مقر عمله، وللأسف لم نجده لأنه لم يكن ثمة موعد مسبق بيننا وبينه، ولم يكن أمامنا سوى أن نعود أدراجنا إلى المنزل دون تحقيق هدفنا المنشود.
بدأنا نفكر، ماذا عسانا أن نصنع ونحن لا نملك سوى ثمن تذكرة ترام واحدة؟ وهنا تحركت شهامة الطفل في نفسي؛ فقد كنت الأكبر سناً والرجل في الموقف، لذا قررت على الفور أن تركب أختي وأكمل أنا الطريق ماشياً. في بادئ الأمر رفضت شقيقتي رفضاً قاطعاً أن تمتثل لفكرتي، ولكن بعد لأي وافقت على مضض، وسعدت أنا بذلك، ووقفت أرقبها والترام يتحرك بها، ثم سرت وراءه كأني أحرسها من الضياع، ولكن الترام كان أسرع من خطواتي الصغيرة بالطبع.
سرت في طريقي تتنازعني مشاعر الغبطة والقلق؛ الغبطة لكوني آثرت شقيقتي على نفسي، والقلق عليها من أخطار الطريق. وما إن وصلت إلى المحطة التالية حتى كانت المفاجأة؛ لقد رأيت شقيقتي تنتظرني هناك، والدموع ترقرق على وجنتيها، فما تمالكت نفسي حينها، وأسرعت أعانقها وقد غلبتني عيناي من تأثير الموقف الباكي. لقد أبى حنان أختي أن ترى أخاها سائراً على قدميه وهي تركب مترفهة. فلله درك أختاه، فما أعظم حنانك بعد أمي!
أحمد سعيد قنديل
تعليقات
إرسال تعليق