"صدمة الأب"
صدمة الأب.. وغربة الحرف
عشتُ قبل ست سنوات خلت صدمةً من ولديَّ، اهتزت لها أركان نفسي؛ إذ انحازا لأمهما انحيازاً واضحاً لا لَبْس فيه، في موقفٍ فاجأني فوقفتُ أمامه مذهولاً صامتاً.
لقد ارتبطتُ بزوجي وشريكة كفاحي منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، عشناها في بناء أسرةٍ أسستُها بعرقي، وسهري، ودموعي، وعذابي. وقبل الالتزام بشرع الله عز وجل، كنتُ قد ألفتُ روايتي الوحيدة "التائهة"، وكنتُ على وشك نشرها، ليُعلن ذلك المولد المرتقب لأديبٍ وشاعر. لكن مشيئة الله سبحانه وتعالى وعنايته رأت لي خيراً غير ذلك؛ فمنَّ عليَّ بالالتزام بشرعه وسنة نبيه ﷺ.
حينها، وتأثراً بفورة شعورٍ إيمانيٍ جارف، قمتُ بإطعام النار جميع مؤلفاتي الشعرية والنثرية، ولم تسلم من ذلك المحو بالطبع روايتي "التائهة"، رغم حصولي على تصريح بنشرها. واليوم، حين أسترجع ذلك المشهد بوعيٍ ناضج، أدركُ أنه كان خطأً كبيراً مني؛ دافعه عاطفةٌ دينية مخلصة، لكنها لم تُصقل بعلمٍ شرعيٍّ رصين يميز بين الحلال والحرام، ويُدرك أن الكلمة حسنها حسن وقبيحها قبيح.
عقب تلك الأحداث، وأثناء فترة عقد القران، اقترفتُ خطأً آخر ب دافع "الصراحة المفرطة"، إذ سردتُ على مسامع زوجي بعضاً من قصص الغرام التي عشتها قبل الالتزام، ظناً مني أن التوبة تمحو أثر المقارنة في قلب المرأة. بعد الالتزام، انقطعتُ عن الكتابة تسع سنوات كاملة، ثم عدتُ إليها مجدداً بعد الفهم والنضج الفقهي، فأنشأتُ صفحةً على منصة "الفيسبوك" بعنوان "واحة الشعر والأدب"، وضمنتها مؤلفاتي، وحين بلغت قصائدي خمس وثلاثين قصيدة، تعاقدتُ مع دار نشرٍ بالقاهرة لإصدار ديواني الأول. وحدث حينها خلافٌ بيني وبين زوجي التي عارضت الأمر قائلة: "أنا تزوجت داعية ولم أتزوج شاعراً وأديباً"، لكني مضيتُ قدماً مستجيباً لنداء الحرف المصلح بداخلي.
وفي غمرة النشر، كتبتُ مقالاً بعنوان "نهاية أديب"، لخصتُ فيه رواية "التائهة" المحترقة، حريصاً على إبراز المعنى القيمي؛ فجعلتُ البطل (الذي قمتُ بدور البطولة فيه تحت اسم "هشام") يموت، وجعلتُ جزاء البطلة الطلاق؛ تأكيداً مني على أن العلاقات التي تولد في ظلام المعصية نهايتها مأساوية، لاهي تفوز بحبيبها ولا تبقي على زوجها. وضممتُ المقال لصفحتي العامة، ليكون موعظةً وعبرة.
ولم يدر بخلدي أن زوجي ستطالعه يوماً، حتى فوجئتُ بها ترسل لي صورة من المقال مشفوعةً برموز غاضبة وسؤالٍ مقتضب زلزلني: "ليه؟". لم تقرأ زوجي المقال بعين الناقد، بل بعين الزوجة التي استيقظت مخاوفها القديمة وغيرتها من ماضٍ ظنت أنني أحنُّ إليه، فلم تكتفِ باللوم، بل راحت تقذفني بأحجار الحسبنة والدعاء عليّ.
فتحتُ "جوجل" باحثاً عن فقه الموقف، فوجدتُ فتوى على موقع (إسلام ويب) تبين عدم جواز تجسس الزوجين؛ وحين قصصتُ ما حدث على مسامع ولديَّ مدعوماً بالفتوى، كانت المفاجأة والصدمة؛ إذ لم أجد منهما أي تعاطف، بل انحاز كلاهما للأم بحكم عاطفتهما الفطرية تجاهها. شعرتُ حينها بغربةٍ شديدة وقاسية في بيتي الذي بنيته، ولسان حالي يقول: "فإلى الله المشتكى".
كانت تلك عاصفةً مرت قبل ست سنوات، انقشع ضبابها بحمد الله، وعاد الدفء والوفاق التام ليظلل بيتنا مستقراً متيناً، وبقيت تلك الأحداث محطةً من محطات العمر، أسطرها اليوم لتكون درساً لكل ملتزمٍ ألا يتسرع في الحكم قبل أن يتعلم، ولكل أبٍ أن يعلم أن عواصف الأسر العابرة تذوب دوماً في بحر المودة والاحتواء.
بقلمي..أحمد سعيد قنديل
تعليقات
إرسال تعليق