"رسالة لإبنتي"
ابنتي الحبيبة، وقرة عيني..
عطّر الله أيامكِ بنفحات رضاه، ورزقكِ مواطن الخير، وسعادة الدارين.
عطّر الله أيامكِ بنفحات رضاه، ورزقكِ مواطن الخير، وسعادة الدارين.
يا حبيبة قلبي، ربما صوّر لكِ الشيطان يوماً أنني أريد التخلص منكِ بزواجكِ من أي شخص، وهذا بالطبع غير صحيح بالمرة؛ فأنتِ حبيبتي التي تسكن في سويداء القلب، وصورتكِ دوماً بين الأهداب والعين. إنني يا قطعة من روحي لو كان الأمر بيدي، ولو كنتُ أضمن بقائي بجواركِ طوال العمر، لعزفتُ تماماً عن ارتباطكِ بأي شخص، ولرفضتُ كل من تقدم لكِ لتبقي إلى جواري حتى أنفاسي الأخيرة! ولكن هذه أنانية نفس، وهي بالطبع ضد نواميس الحياة وقوانينها؛ إذ أن النساء خلقن للرجال، ومن أجل ذلك شرع الله لنا الزواج لأنه من دواعي الفطرة وسنن الكون، وكما سبق وبينتُ لكِ.. إنها سنة الحياة.
يا بنيتي، أنا رجل عركتُ الحياة بحلوها ومرها، واستفدتُ من تجربتي معها الكثير. ومما أدركته يقيناً أن السعادة التي يسعى إليها الساعون لا تكمن في المال أو الجاه أو المنصب؛ وكلها أمور مشروعة، لكنها ببساطة تسكن في الرضا بما قسمه الله، واستشعار ذلك بالقلب والنفس والروح. ولو شئتِ لسردتُ لكِ قصصاً لا حصر لها عن تجارب باءت بالفشل المرير، فقط بسبب النظر إلى منصب، أو مكانة مالية، أو وجاهة اجتماعية!
إنني أتعجب حقاً يا بنيتي من تناقض نفوسنا؛ كيف نتعاطف ونبكي مع الفقراء والمساكين في القصص والروايات الرائعة التي نشأنا عليها، أمثال (عهد الأصدقاء، والبؤساء، وسالي، وغيرها)، فإذا ما ألقت بنا الحياة واقعياً أمام هذه النماذج البسيطة، لفظناها وتبرأنا من تعاطفنا، وقلنا: "ماذا سيقول الناس؟ وما هي أعرافهم؟!".
ثقي تماماً يا حبيبتي، أن هؤلاء "الناس" الذين تضعين لهم اعتباراً وتخشين نظرتهم عند اختيار شريك حياتكِ، لن يجففوا لكِ دمعة واحدة، ولن يحملوا عنكِ هماً، إذا ما اخترتِ زوجكِ بناءً على تطلعاتهم ومظاهرهم، ثم جاء هذا الاختيار مسبباً لكِ التعاسة والحزن في حياتكِ الزوجية. ولتعلمي يقيناً أنني لم ولن أفرض عليكِ يوماً شخصاً لا يروق لكِ أو لا تجدين في نفسكِ قبولاً تجاهه.
لكنني يا بنيتي فقط أذكركِ بأن الزواج رزق يسوقه الله إلى العبد، فلا ينبغي لهذا العبد أو الأمة أن يرفض هذا الرزق ابتداءً لاعتبارات الناس والمجتمع، بل عليه أن يسلك المسلك الشرعي في القبول به أو رفضه، حتى لا يُحرم من هذا الرزق بالكلية. دعي المولى سبحانه يختار لكِ، فهو سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، تملّكي الرضا في قلبكِ، وسلّمي أمركِ لمن بيده سعادتكِ وتوفيقكِ.
فغداً يا حبيبتي سيرتبط أشقاؤكِ بزوجاتهم وأبنائهم، وسنفارق الحياة أنا وأمكِ، وربما بقيتِ وحدكِ تعانين آلام الوحدة ووحشتها؛ وهذا جلّ ما أخشاه عليكِ كأب.. فأنا أدرى الناس بوحشة الوحدة وكآبتها، لذا تجدينني حريصاً كل الحرص أن أطمئن عليكِ قبل أن توافيني المنية.
وفقكِ الله فلذة كبدي وحبيبة قلبي إلى ما فيه خير دنياكِ وأخراكِ.
والدكِ المحب لكِ.
تعليقات
إرسال تعليق