التضحية

التضحية الكبرى

بعد فراقٍ دام قرابة خمسة عشر عاماً، تجدّد اللقاء الذي حرّك الرواكد وأيقظ الذكريات. كان آخر عهده بها حين تقدم لخطبتها مواسياً ومحباً بعد وفاة زوجها؛ إذ كان يرى في أعماق نفسه أنه مدينٌ لها باعتذار وعمرٍ جديد، بعد أن غادر حياتها وهي في مقتبل عطفها ولم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، لظروفٍ شخصية لم تكن لها يدٌ فيها. كان يحدوه أملٌ راسخ في أن يعوضها برباط الزواج عن كل لحظة مريرة تجرعتها في غيابه.

لم يكن هناك أدنى شك في مشاعرها كأنثى؛ فقد انتفض قلبها فرحاً بعودة الحبيب الأول الذي نبتت على يديه أولى نواصي الهوى. لكن الواقع كان أثقل من الأحلام؛ فقد أصبحت مسؤولة عن أيتامٍ يتلمسون في حضنها الأمان والرعاية، إلى جانب معضلة مادية تمثلت في أن نفقة الأبناء التي ورثوها عن أبيهم ستنقطع تماماً فور زواجها. وجدت نفسها في مفترق طرق بين خيارين كلاهما علقم، فاختارت بوعي الأمومة النبيلة أن تئد عاطفتها وتضحي بقلبها في سبيل أبنائها، ليتواثق الحبيبان على كتمان سرهما والمضي في دروب الحياة الفانية.

دارت عجلات الزمن، وتعاقبت السنوات تلو السنوات، حتى قادت الصدفة خطاه ليرى اسمها بين صديقات شقيقته على منصة "فيسبوك". في تلك اللحظة، تفجرت في صدره ثورة عاطفية ظن أن السنين الخمس عشرة قد أطفأت جذوتها، فإذا بها تعود أشد لوعاً وضراماً، وكأنها تختزل كل ما تبقى له من أحلام السعادة في خريف العمر.

لم يتردد؛ ولج إلى عالم "الماسنجر" مرسلاً لها كلماتٍ كان قد صاغها من نبض قلبه قبل خمسة عشر عاماً. وجاءه ردها كالغيث، تفيض حروفه بعاطفة جياشة لا تقل عن لوعته، معترفةً بمرارة الأيام التي عاشتها تشتاق لحنانه وأمانه. غرق الاثنان في نهر من الوداد المتبادل، يرتويان بعد طول ظمأ...

لكن لحظة الحقيقة واليقظة لم تتأخر؛ وقفا معاً يسألان النفس: وماذا بعد؟!

كرر عليها عرض الزواج، غافلاً عن تبدّل الأزمان، وظاناً أن الأبواب قد فُتحت أخيراً. لكن الصدمة كانت في رفضها الحاسم الذي تلبّس بأعذارٍ أقوى من المرة الأولى، وكان الأبناء هم المحور مجدداً. فماذا عساها أن تقول لهم اليوم؟

هل تكشف لهم عن قصة حب غابرة في هذا العمر المتقدم؟

ولو افترضنا جدلاً أنهم تفهّموا، فما هو تبريرها لرفضه سابقاً وهم أطفال صغار يحتاجون أباً بديلاً يحتوي طفولتهم بيسر وسهولة؟ أم تراها تخبرهم بصريح العبارة أنها تبحث عن نصفها الآخر الذي يروي ظمأ سنينها؟

ولم تقف العقبات عند حدود الأسرة، بل امتدت لتشمل نظرة المجتمع والبيئة المحيطة؛ فقد غدت السيدة مديرة إدارة في مؤسسة مرموقة، يُنظر إليها كرمز للوقار والقدوة.

كل تلك القيود المجتمعية والأسرية جعلتها توقن باستحالة الخطوة، فقالت له بلسانٍ يقطر حزناً وعفة: "الأجمل أن يمضي كل منا في طريقه، متمماً رسالته مع أسرته، وأن نطوي حباً عاش في الصدور ثلاثين عاماً. لعل الله جل وعلا يرحم طهرنا وصبرنا، ويجمعنا زوجين في جنات النعيم جزاءً لما عففنا وتحملنا دون معصية".

ومع صدور هذا القرار الإيماني الصارم، كان عليهما الدخول في مرحلة التنفيذ الفوري، واضعين حداً لقصتهما، متجرعين معاً مرارة الفراق الأبدي والوحشة النفسية في الدنيا، على أمل اللقاء بسلام في الآخرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليل وتلخيص رواية ميرامار

عاقبة الغرور

"أهمية وجود الحاكم"