التضحية
التضحية الكبرى بعد فراقٍ دام قرابة خمسة عشر عاماً، تجدّد اللقاء الذي حرّك الرواكد وأيقظ الذكريات. كان آخر عهده بها حين تقدم لخطبتها مواسياً ومحباً بعد وفاة زوجها؛ إذ كان يرى في أعماق نفسه أنه مدينٌ لها باعتذار وعمرٍ جديد، بعد أن غادر حياتها وهي في مقتبل عطفها ولم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، لظروفٍ شخصية لم تكن لها يدٌ فيها. كان يحدوه أملٌ راسخ في أن يعوضها برباط الزواج عن كل لحظة مريرة تجرعتها في غيابه. لم يكن هناك أدنى شك في مشاعرها كأنثى؛ فقد انتفض قلبها فرحاً بعودة الحبيب الأول الذي نبتت على يديه أولى نواصي الهوى. لكن الواقع كان أثقل من الأحلام؛ فقد أصبحت مسؤولة عن أيتامٍ يتلمسون في حضنها الأمان والرعاية، إلى جانب معضلة مادية تمثلت في أن نفقة الأبناء التي ورثوها عن أبيهم ستنقطع تماماً فور زواجها. وجدت نفسها في مفترق طرق بين خيارين كلاهما علقم، فاختارت بوعي الأمومة النبيلة أن تئد عاطفتها وتضحي بقلبها في سبيل أبنائها، ليتواثق الحبيبان على كتمان سرهما والمضي في دروب الحياة الفانية. دارت عجلات الزمن، وتعاقبت السنوات تلو السنوات، حتى قادت الصدفة خطاه ليرى اسمها بين صديقات شقيقته على من...