المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2026

التضحية

التضحية الكبرى بعد فراقٍ دام قرابة خمسة عشر عاماً، تجدّد اللقاء الذي حرّك الرواكد وأيقظ الذكريات. كان آخر عهده بها حين تقدم لخطبتها مواسياً ومحباً بعد وفاة زوجها؛ إذ كان يرى في أعماق نفسه أنه مدينٌ لها باعتذار وعمرٍ جديد، بعد أن غادر حياتها وهي في مقتبل عطفها ولم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، لظروفٍ شخصية لم تكن لها يدٌ فيها. كان يحدوه أملٌ راسخ في أن يعوضها برباط الزواج عن كل لحظة مريرة تجرعتها في غيابه. لم يكن هناك أدنى شك في مشاعرها كأنثى؛ فقد انتفض قلبها فرحاً بعودة الحبيب الأول الذي نبتت على يديه أولى نواصي الهوى. لكن الواقع كان أثقل من الأحلام؛ فقد أصبحت مسؤولة عن أيتامٍ يتلمسون في حضنها الأمان والرعاية، إلى جانب معضلة مادية تمثلت في أن نفقة الأبناء التي ورثوها عن أبيهم ستنقطع تماماً فور زواجها. وجدت نفسها في مفترق طرق بين خيارين كلاهما علقم، فاختارت بوعي الأمومة النبيلة أن تئد عاطفتها وتضحي بقلبها في سبيل أبنائها، ليتواثق الحبيبان على كتمان سرهما والمضي في دروب الحياة الفانية. دارت عجلات الزمن، وتعاقبت السنوات تلو السنوات، حتى قادت الصدفة خطاه ليرى اسمها بين صديقات شقيقته على من...

"نهاية أديب "

نهاية أديب في أواخر عام 1983، ومع التباشير الأولى لفصل الشتاء —أحب الفصول إلى نفسي وأغزرها نتاجاً— تحركت في داخلي كوامن الشِّعر، واجتاحتني رغبة عارمة في الكتابة.، وفي غمرة ذلك الدفء الإنساني المنساب مع صقيع ديسمبر، شرعتُ أخطّ روايتي الأولى والوحيدة «التائهة»؛ وهو عنوان لم يكن مجرد اسم لعمل أدبي، بل كان يجسد بصدقٍ فاجعة المآل الذي انتهت إليه «زهرة»، بطلة روايتي. تبدأ الرواية بوخزة واقعية؛ حين وصلت امرأة من دولة عربية شقيقة بصحبة زوجها، ليحلا ضيفين عزيزين على أسرة «هشام» —بطل قصتي المأخوذ  طبعاً عن ملامح تجربتي. كانت غاية رحلتهما إلى مصر هي عرض «زهرة» على أطباء النساء، بحثاً عن أمل مفقود في الحمل والأمومة. ومع تعاقب الأيام الرتيبة، ولدت من رحم النظرات والمواساة عاطفة جارفة بين هشام وزهرة؛ إذ انشغل الزوج الغافل في إنهاء بعض شؤونه الخاصة، تاركاً زوجته فريسة سهلة لتلك المشاعر الوليدة. وسرعان ما استعر لهيب الشوق، فأصبحت زهرة تشعر بالوحشة والغربة مع زوجها، بينما تاه هشام في دياجير حيرته. كمؤلفٍ، صوّرتُ تلك التوأمة الروحية المعذبة في سطورٍ أذكرها جيداً: «ونتساءل نحن أمام تلك الإرادة الجبار...