"الفتنة"
الفتنةُ.. وتجرؤ الـمُشَرِّعين"
يقولون في مأثورِ كلامهم: «إنَّ الشخصَ مَفتونٌ؛ إذا أصبح يرى ما كان يراهُ بالأمسِ حراماً.. حلالاً!»
وهنا يثورُ في نفسي تساؤلٌ مشروعٌ: مَنِ الذي يملكُ حقَّ التحديدِ والفصلِ في الحلالِ والحرام؟ أليس هو اللهُ جلَّ في علاه؟ أليس هو رسولُه الـمُصطفى ﷺ الذي لا ينطقُ عن الهوى؟ فما بالُ بعضِ مَن تصدَّروا للفتوى يتجرأون على مَقامِ التشريعِ الإلهي، فيُحلِّلون ويُحرِّمون وِفْقَ أهوائهم، دون أن يرتكزوا على أدلةٍ صريحةٍ من القرآنِ والسُّنةِ؟
إنني هنا بصددِ كشفِ الغطاءِ عن مسألةٍ جوهريةٍ تَمَسُّ عقْلَ الـمُسلمِ: مَن الذي يملكُ -حَقّاً- سُلطةَ التحليلِ والتحريم؟
ولنضربْ أمثلةً واقعيّةً تتضحُ بها الصورة:
بالأمسِ القريبِ، قالوا: إنَّ الـمُشاركةَ في الانتخاباتِ البرلمانيةِ "حرامٌ"؛ لأنها تُعينُ الظالمَ وتمنحه شرعيَّةً. واليوم، تبدَّلتِ النبرةُ وأصبحتِ الـمُشاركةُ "حلالاً"؛ بحجَّةِ أنها تُحدِّدُ هُويَّةَ مَن يُمثِّلُ الشعب!
بالأمسِ قالوا: إنَّ الأفراحَ الـمُختلطةَ لا تجوزُ لـِمَا تؤدي إليه من فتنةٍ وسُفور. واليوم يخرجُ مَن يقولُ: إنَّ الشرعَ أباحَها رغبةً في إدخالِ السرورِ والبهجةِ على قلبِ الـمُسلم! فـ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟! هل يتغيّر حكم الله بتغيّر الأزياء والـمُناسبات؟
خذْ مثالاً آخر يُبرزُ تضاربَ الآراءِ؛ لعبةُ "الشطرنج".. يراها فريقٌ حراماً مَحضاً؛ لأنها تُلهي عن ذكرِ اللهِ، وتُثيرُ الضغينةَ، وتُورثُ الخـُمولَ والتوحُّدَ لدى الأطفال. وفي الـمُقابلِ، يراها آخرون وسيلةً نافعةً تُحفِّزُ الـهِمَمَ، وتُدرِّبُ على رَسْمِ الخططِ، وتَجمعُ شتاتَ الأسرةِ كحائطِ صَدٍّ أمامَ إدمانِ الهواتفِ الذكيةِ وسَمومِ "السوشيال ميديا"، بل ويستغلُّها الـمُربِّي كأداةِ تحفيزٍ للتحصيلِ والـمُذاكرة.
فهل تتفق معهم أيها القارئ الجميل؟!
ولعل من المناسب لموضوع البحث ذِكْر بعض أقوال العلماء في هذه المسألة؛ وذلك لتقف أيها القارئ اللبيب على أقوال أهل العلم فيها؛ فقد جاء في كتاب "تربية الأولاد في الإسلام" لمؤلفه الشيخ عبد الله ناصح علوان (الجزء الثاني، صفحة ٨٧٤ - ٨٧٥) ما نصُّه:
«اللعب بالشطرنج: ومن ألوان اللهو المعروفة اللعب بالشطرنج، وذهب الصحابة والتابعون والفقهاء في قضية الشطرنج مذهبين:
الأول: الحرمة، وهم: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، والإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل.
الثاني: الحِلّ، وهم: أبو هريرة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والإمام الشافعي.
هذا وقد اشترط من أباح الشطرنج شروطاً ثلاثة هي:
ألا يؤخر اللاعب صلاة عن وقتها.
ألا يشترط الرهان لكونه قماراً.
أن يحفظ اللاعب لسانه عن بذاءة الكلام وفحش اللسان.
وإذا فرّط بشرط من هذه الشروط، اتجه القول للتحريم».. انتهى كلام المؤلف.
وإنني هنا أيها القارئ النبيل، بصدد احترام عقلك وفكرك في الاختيار الحر دون الميول لأقصى اليمين أو أقصى الشمال، فقط لتعلمَ أن اختيارك ستُحاسبُ عليه غداً أمام الله سبحانه وتعالى. وأرجو ألا تفهم من خلال مقالتي أنني أميل لقول من يبيح لعبة الشطرنج، لأن الذي يحلل ويُحرِّم هو الله عز وجل وحده؛ فمتى توفرت الأدلة على الحِلّ فثمَّ، ومتى توفرت الأدلة على التحريم فدَعْ.
اللهمَّ أخرجني من حظَّ نفسي إلى رحمتك التي وسعت كلَّ شيء.
جمع وترتيب: أحمد سعيد
تعليقات
إرسال تعليق